تغطية إعلامية خاصة | المدرسة الوطنية العليا للعلوم الإسلامية — جامع الجزائر

احتضنت المدرسة الوطنية العليا للعلوم الإسلامية (دار القرآن) يوم أمس الأربعاء 14 أكتوبر 2026، فعاليات محاضرة علمية تحت عنوان: «قصبة الجزائر: درس مفقود في العمارة والتصميم الحضري»، ألقتها الأستاذة والباحثة كريمة دخية، الأكاديمية بالمدرسة الوطنية المتعددة التقنيات بالحراش (الجزائر العاصمة)، وذلك لفائدة طلبة ونخبة باحثي طور الدكتوراه في تخصص الهندسة المعمارية والعمران من منظور إسلامي.

افتتاح رسمي وتأكيد على مد جسور التعاون الأكاديمي

انتظمت هذه التظاهرة العلمية القيّمة تحت إشراف مديرية أنظمة الإعلام والاتصال والعلاقات الخارجية بالمدرسة العليا، ممثلة في مديرها المساعد الأستاذ سليمان ولد خسال، الذي استهل الفعالية بكلمة افتتاحية وترحيبية ، رحب فيها بالأستاذة المحاضرة . وأبرز في كلمته حرص المدرسة وإدارتها على خلق فضاءات فكرية تفاعلية تلتقي فيها الأصالة التراثية مع الرؤى العلمية المعاصرة، مؤكداً أن العمارة الإسلامية ليست مجرد هياكل جامدة من الحجر والآجر، بل هي مرآة تعكس قيماً حضارية، اجتماعية وبيئية راقية ينبغي استلهامها في مشاريع البناء والتخطيط العمراني الراهنة.

قصبة الجزائر: معالم التاريخ والنسيج المعماري المتفرد

عقب ذلك، أفسح المجال للأستاذة الدكتورة كريمة دخية، التي قدمت عرضاً مستفيضاً ومعمقاً سلّطت من خلاله الضوء على العمق التاريخي لمدينة القصبة العتيقة المصنفة ضمن التراث العالمي للإنسانية لدى منظمة اليونسكو منذ عام 1992. وتناولت المحاضرة المحاور الجوهرية الآتية:

• النشأة والتشكّل التاريخي والمكاني:  استعرضت المحاضرة تطور القصبة وموقعها الاستراتيجي المتدرج على سفوح الهضبة المشرفة على البحر الأبيض المتوسط، وكيف شكلت عبر العصور حصناً دفاعياً وحاضنة للتنوع والتلاحم المجتمعي.

• طابع العمارة العضوي وتقنيات البناء التقليدية:  فصلت الدكتورة دخية في العبقرية الهندسية لمواد البناء المحلية وطرق التشييد، من استخدام الحجر الجيري والآجر المشوي وخشب الأرز، وتقنيات التدعيم بالأقواس والقباب والدعامات الخشبية المتشابكة، التي أثبتت كفاءة استثنائية في مقاومة الزلازل والتقلبات المناخية عبر القرون.

• القصبة كدرس مفقود في التخطيط والتصميم الحضري المعاصر:  بيّنت الأستاذة كيف يجسد التخطيط الحضري للقصبة مفاهيم متقدمة في التصميم المستدام والتدرج من الفضاء العام (الأسواق والساحات والمساجد) إلى شبه الخاص (الأزقة والساباطات) وصولاً إلى الفضاء الخاص (وسط الدار – الفناء المركزي). وهو ما يضمن التهوية والإضاءة الطبيعية والخصوصية التامة للأسرة، وهي قيم جوهرية تلتقي تماماً مع فلسفة العمران الإسلامي.

• تحديات الصيانة والحفظ المستدام:  نبهت المحاضرة إلى ضرورة تبني استراتيجيات صيانة وتأهيل شاملة تجمع بين ترميم النسيج المادي وحماية الذاكرة الاجتماعية والحرفية، مع ضرورة تدريب كوادر وطنية متخصصة تضمن ديمومة هذا التراث الأصيل.

تفاعل معرفي ونقاش أكاديمي معمّق

شهدت المحاضرة تفاعلاً لافتاً ونقاشات مثرية من قبل طلبة الدكتوراه في الهندسة المعمارية والعمران من منظور إسلامي، والذين طرحوا تساؤلات وإشكالات بحثية دقيقة عكست استيعاباً عميقاً لمضامين المحاضرة. وتمحورت المداخلات حول سبل إسقاط الدروس التخطيطية للقصبة على النماذج العمرانية الحديثة في المدن الجزائرية والإسلامية، وكيفية التوفيق بين معايير الحداثة والتقنية من جهة، ومقاصد العمران الإسلامي القائمة على التضامن الإنساني، الستر، والحفاظ على التوازن البيئي من جهة أخرى.

قيمة علمية مضافة وأفق بحثي واعد لطلبة الدكتوراه

اختُتمت الندوة بالإشادة بالإسهام النوعي لهذه المحاضرة، التي تشكل إضافة قيّمة ورصيداً علمياً ومنهجياً معتبراً للطلبة في مسارهم البحثي بطور الدكتوراه. وتؤكد هذه المبادرات على المكانة الرائدة التي تضطلع بها المدرسة الوطنية العليا للعلوم الإسلامية بجامع الجزائر كمنارة إشعاع فكري ومعرفي تعنى بربط العلوم الدينية والشرعية بالتطبيقات العلمية والهندسية، وإعداد جيل من المعماريين والعمرانيين القادرين على صياغة هوية بصرية وعمرانية أصيلة ومعاصرة.